محمد متولي الشعراوي
778
تفسير الشعراوي
ويقول الحق : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » ، وحين تجد تعقيبا على قضية فافهم أن من شهد منكم الشهر فليصمه ولا بد أن تقدر من شهد الشهر قليصمه إن كان غير مريض ، وإن كان غير مسافر ، لا بد من هذا ما دام الحق قد جاء بالحكم . و « شهد » هذه تنقسم قسمين : « فَمَنْ شَهِدَ » أي من حضر الشهر وأدركه وهو غير مريض وغير مسافر أي مقيم ، « وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » . ونريد أن نفهم النص بعقلية من يستقبل الكلام من إله حكيم ، إن قول اللّه : « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ » . تعقيب على ماذا ؟ تعقيب على أنه أعفى المريض وأعفى المسافر من الصيام ، فكأن اللّه يريد بكم اليسر ، فكأنك لو خالفت ذلك لأردت اللّه معسرا لا ميسرا واللّه لا يمكن أن يكون كذلك ، بل أنت الذي تكون معسرا على نفسك ، فإن كان الصوم له قداسة عندك ، ولا تريد أن تكون أسوة فلا تفطر أمام الناس ، والتزم بقول اللّه : « فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ » لأنك لو جنحت إلى ذلك لجعلت الحكم في نطاق التعسير ، فنقول لك : لا ، إن اللّه يريد بك اليسر ، فهل أنت مع العبادة أم أنت مع المعبود ؟ أنت مع المعبود بطبيعة الإيمان . ومثال آخر نجده في حياتنا : هناك من يأتي ليؤذن ثم بعد الأذان يجهر بقول : « الصلام والسّلام عليك يا سيدي يا رسول اللّه » يقول : إن هذا حب لرسول اللّه ، لكن هل أنت تحب الرسول إلا بما شرع ؟ إنه قد قال : ( إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن ثم صلوا على ) « 1 » فقد سمح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمن يؤذن ولمن يسمع أن يصلى عليه في السر ، لا أن يأتي بصوت الأذان الأصيل وبلهجة الأذان الأصيلة ونصلى على النبي ، لأن الناس قد يختلط عليها ، وقد يفهم بعضهم أن ذلك من أصول الأذان . إنني أقول لمن يفعل ذلك : يا أخي ، ألا توجد صلاة مقبولة على النبي إلا المجهور بها ؟ لا ، إن لك أن تصلى على النبي ، لكن في سرك .
--> ( 1 ) هذا الحديث أخرجه الإمامان البخاري ومسلم ، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والإمام أحمد